ابن المقفع
107
الآثار الكاملة ( الأدب الصغير / الأدب الكبير / رسالة الصحابة / الدرة اليتيمية في الأدب / كتاب اليتيمة في الرسائل / حكم ابن المقفع )
فعلى العاقل أن يعلم أنّ النّاس مشتركون مستوون في الحبّ لما يوافق والبغض لما يؤذي . وأنّ هذه منزلة اتفق عليها الحمقى والأكياس « 1 » ثمّ اختلفوا بعدها في ثلاث خصال هنّ جماع الصواب وجماع الخطأ وعندهنّ تفرقت العلماء والجهّال والحزمة والعجزة . 3 - الباب الأوّل من ذلك : أنّ العاقل ينظر في ما يؤذيه وفي ما يسرّه فيعلم أنّ أحقّ ذلك بالطّلب إن كان مما يحبّ ، وأحقّه بالاتقاء إن كان مما يكره أطوله وأدومه وأبقاه . فإذا هو قد أبصر فضل الآخرة على الدّنيا وفضل سرور المروءة على لذّة الهوى وفضل الرأي الجامع العام الذي تصلح به الأنفس والأعقاب « 2 » على حاضر الرّأي الذي يستمتع به قليلا ثم يضمحلّ وفضل الأكلات على الأكلة والساعات على السّاعة . 4 - والباب الثاني : هو أن ينظر في ما يؤثر من ذلك فيضع الرجاء والخوف فيه موضعه فلا يجعل اتقاءه لغير المخوف ولا رجاءه في غير المدرك ، فيترك عاجل اللذات طلبا لآجلها ، ويحتمل قريب الأذى توقّيا لبعيده . فإذا صار إلى العاقبة بدا له أنّ قراره كان تورّطا « 3 » وأن طلبه كان تنكّبا « 4 » . 5 - والباب الثالث : من ذلك هو تنفيذ البصر بالعزم بعد المعرفة بفضل الذي هو أدوم ، وبعد التثبّت في مواضع الرّجاء والخوف . فإنّ طالب الفضل بغير بصر تائه حيران ومبصر الفضل بغير عزم ذو زمانة « 5 » محروم . . .
--> ( 1 ) الأكياس : جمع الكيّس وهو الظريف والفطن . ( 2 ) الأعقاب : جمع عقب وهو الولد وولد الولد . ( 3 ) التورّط : الوقوع في ما لا خلاص منه ، يقال أورطه أي ألقاه في الورطة . ( 4 ) التنكّب : التجنّب والاعتزال . ( 5 ) الزمانة : العاهة .